صديق الحسيني القنوجي البخاري

412

فتح البيان في مقاصد القرآن

يوم القيامة ثم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم ، وقيل على بمعنى مع والتقدير وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من الإحراق شهود لا يرقون لهم لغاية قسوة قلوبهم ، هذا هو الذي يستدعيه النظم وتنطق به الروايات المشهورة . قال الزجاج أعلم اللّه قصة قوم بلغت بصيرتهم وحقيقة إيمانهم إلى أن صبروا على أن يحرقوا بالنار في اللّه ، وفيه حث للمؤمنين على الصبر وتحمل أذى أهل الكفر والعناد . روي أن اللّه أنجى المؤمنين الملقين في النار وكانوا سبعة وسبعين بقبض أرواحهم قبل وقوعهم فيها وخرجت النار إلى من ثم فأحرقتهم ، وهؤلاء لم يرجعوا عن دينهم ، والذين رجعوا عشرة أو أحد عشر ، ولم يرد نص بتعيين عدد أصحاب الأخدود . وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ قرأ الجمهور نقموا بفتح النون ، وقرىء بكسرها والفصيح الفتح في المختار نقم الأمر كرهه ، وبابه ضرب ونقم من باب فهم لغة أي ما أنكروا عليهم ولا عابوا منهم إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ إلا أن صدقوا باللّه الغالب المحمود في كل حال ، قال الزجاج ما أنكروا عليهم ذنبا إلا إيمانهم ، وهذا كقوله : هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ [ المائدة : 59 ] وهذا من تأكيد المدح بما يشبه الذم كما في قوله : لا عيب فيهم سوى أن النزيل بهم * يسلو عن الأهل والأوطان والحشم وقول الآخر : ولا عيب فيها غير شكلة عينها * كذاك عتاق الطير شكلا عيونها « 1 » وقول الآخر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب « 2 » ثم وصف سبحانه بما يدل على العظم والفخامة فقال : الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ومن كان هذا شأنه فهو حقيق بأن يؤمن به ويوحد وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ من فعلهم بالمؤمنين لا تخفى عليه منه خافية ، وفي هذا وعيد شديد لأصحاب الأخدود ، ووعد خير لمن عذبوه على دينه من أولئك المؤمنين . ثم بين سبحانه ما أعد لأولئك الذين فعلوا بالمؤمنين ما فعلوا من التحريق فقال :

--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو بلا نسبة في لسان العرب ( غير ) ، ( شكل ) ، ( شهل ) ، وتاج العروس ( شكل ) . ( 2 ) البيت من الطويل ، وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص 44 ، والأزهية ص 180 ، وإصلاح المنطق ص 24 ، وخزانة الأدب 3 / 327 ، 331 ، 334 ، والدرر 3 / 173 ، وشرح شواهد المغني ص 349 ، والكتاب 2 / 326 ، ومعاهد التنصيص 3 / 107 ، وهمع الهوامع 1 / 232 ، وبلا نسبة في الصاحبي في فقه اللغة ص 267 ، ولسان العرب ( قرع ) ، ( خلل ) ، ومغني اللبيب ص 114 .